الأراضي الجماعية في المغرب: من الاستعمار إلى اليوم 🏜️
المقدمة: أنواع الأراضي الجماعية
تُشكّل الأراضي الجماعية في المغرب إرثاً تاريخياً وقانونياً معقداً يمتد عبر قرون. تُقدّر مساحتها الإجمالية بنحو **15 مليون هكتار** (21% من المساحة الإجمالية للمغرب)، وتشمل **4563 جماعة سلالية** يعيش عليها قرابة **10 ملايين نسمة**. تنقسم هذه الأراضي إلى فئتين رئيسيتين:
- **أراضي الجماعات السلالية (الجموع)**: ملك جماعي خالص للقبائل
- **أراضي الجيش (Guich)**: أراضٍ منحها السلطان للقبائل مقابل خدمات عسكرية، وتتميز بوضعية قانونية خاصة
أراضي الجيش (Guich): التأصيل التاريخي ⚔️
الأصل العسكري للتسمية
كلمة "جيش" (Guich) تعني في الأصل **الجيش أو القوات المسلحة**. هذه الأراضي منحها السلاطين المغاربة عبر التاريخ لقبائل
بعينها مقابل تقديم **خدمات عسكرية**، أي تجييش رجال مسلحين للدفاع عن العرش أو لحروب الإخضاع.
التوزيع الجغرافي التاريخي
كانت أراضي الجيش تتركز بشكل رئيسي حول **المدن الإمبراطورية**: مكناس، فاس، مراكش، والرباط. وقد بلغت مساحتها في بداية الحماية حوالي **768,000 هكتار**، لكنّ الجزء الأكبر منها صُودر لاحقاً.
في منطقة **مكناس** تحديداً، استقرّت مجموعات من جيش الشراردة (إحدى القبائل المجندة) في محيط المدينة، وتمّ منحهم أراضٍ مقابل خدماتهم العسكرية.
---
مرحلة الحماية (1912-1956): تقنين الاستيلاء 🇫🇷
ظهير 27 أبريل 1919: نقطة التحول
مع بداية الاستعمار الفرنسي عام 1912، سعت الإدارة الاستعمارية إلى **تقنين سيطرتها** على أراضي القبائل دون إثارة ثورات شعبية، كما حدث في الجزائر. لجأت فرنسا إلى إصدار **ظهير 27 أبريل 1919** الذي:
- اعترف للقبائل بـ**الشخصية المعنوية** وملكيتها للأراضي
- لكنّه وضعها تحت **وصاية الدولة** عبر "مجلس الوصاية"
استثناء أراضي الجيش
المثير أن **الفصل 16** من ظهير 1919 نصّ صراحة على أن مقتضيات هذا الظهير **لا تطبق على أراضي الجيش**. ومع ذلك، مارست السلطات الوصاية عليها فعلياً، مما أدّى إلى لبس قانوني استمر لعقود.
نهب الأراضي للمعمرين
استولى المعمرون على **مليون و215 ألف هكتار** من أجود الأراضي الفلاحية بين 1964 و1966.
ال: استمرار الوصا بعد الاستقلية الاستعمارية 🇲🇦
ظهير 26 مارس 1963: استرجاع شكلي
بعد الاستقلال (1956)، أصدر المغرب ظهير 26 مارس 1963 لاسترجاع الأراضي الجماعية من المعمرين. لكنّ الواقع كان مختلفاً:
- استُرجعت **320 ألف هكتار** فقط من أصل المليون هكتار المنهوبة
- أُسندت هذه المساحة لشركتي **"صوديا"** و**"سوجيطا"** العموميتين
محاولات الإصلاح الزراعي
في إطار الإصلاح الزراعي، تمّ توزيع **90 ألف هكتار** على الفلاحين، لكنّ المستفيدين الأساسيين كانوا **الأعيان والوجهاء وأهل السلطة والمال**، بينما بقي الفلاحون الكادحون خارج التغطية.
---
أراضي الجيش حول مكناس: وضعية خاصة 🌾
التوزيع الجغرافي
تنتشر أراضي الجيش بكثافة في محيط **مكناس**، حيث استقرّت قبائل مجندة تاريخياً مثل **جيش الشراردة** في ضواحي سيدي قاسم ومناطق أخرى.
الوضع القانوني المُعقّد
تتميز أراضي الجيش بوضعية قانونية فريدة:
- **الدولة** تحتفظ بـ**الملكية الرقابية** (الحق العالي)
- **الجماعة** تملك **حق الانتفاع** (المنفعة)
- **المستغلون** يحصلون على **حق الاستغلال** فقط
هذا التجزيء للملكية يجعل الاستثمار في هذه الأراضي محفوفاً بالمخاطر، إذ لا يملك الفلاح ضمانات كافية للاستثمار طويل الأمد.
التحولات المعاصرة: من الأرض إلى السلعة 🏗️
ضغوط التوسع الحضري
منذ التسعينيات، تحوّلت الأراضي الجماعية المحيطة بالمدن الكبرى إلى **هدف للمضاربة العقارية**. فبمجرد تحويل وضعيتها إلى أرض حضرية، ترتفع قيمتها بشكل هائل، مما يدرّ أرباحاً ضخمة على الرأسمال والدولة، بينما يُبقى الفلاحون **منزوعي الأرض**.
حركة النساء السلاليات (Soulaliyates) 👩🌾
في **2007**، انطلقت حركة احتجاجية نسائية مطالبة بـ**المساواة في التعويضات والأراضي**. وفي **2009**، اضطر وزير الداخلية للاعتراف بحق النساء في التعويض بالتساوي مع الرجال.
في **2018**، استفادت **1460 امرأة** من عملية توزيع أراضٍ بالقرب من القنيطرة. وفي **2020**، تمّ توزيع **7800 هكتار** من الأراضي على النساء السلاليات في **جماعة سيدي سليمان مول الكيفان بمكناس**.
التحديات الراهنة ⚠️
غياب الإطار القانوني
لا يزال نظام أراضي الجيش يعاني من **غياب نص قانوني محدّد** ينظمه، على عكس أراضي الجماعات السلالية التي يحكمها ظهير 1919. هذا الفراغ القانوني يُسهّل التجاوزات ويُعقّد حل النزاعات.
التهديدات الجديدة
- **مخطط المغرب الأخضر**: يهدف إلى وضع عوامل الإنتاج (الأرض والماء ورأس المال) في يد الرأسمال الزراعي
- **الشراكة مع القطاع الخاص**: انطلقت عام 2004 عبر كراء طويل الأمد (17-44 سنة) قابل للتمديد أو التمليك
- **المضاربات العقارية**: تحوّل الأراضي السلالية داخل المجال الحضري إلى **وعاء عقاري** للثراء السريع
الخلاصة 📝
تُجسّد أراضي الجيش حول مكناس وفي باقي المدن الإمبراطورية **عقدة تاريخية** تشكّلت عبر تداخل مسارات سياسية واقتصادية وعسكرية. من منحة السلطان للقبائل المجندة، إلى وصاية الاستعمار، وصولاً إلى ضغوط الخصخصة والتوسع الحضري، ظلّت هذه الأراضي محوراً للصراع بين منطق **الجماعة والعرف**، ومنطق **السوق والاستثمار**.
اليوم، وبعد أكثر من قرن على ظهير 1919، لا تزال آليات الوصاية الاستعمارية قائمة بشكل أو بآخر، فيما يُعاني ملايين الفلاحين والسلاليات من التهميش وغياب الضمانات القانونية. يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكّن الإصلاحات المستقبلية من **إرجاع الاعتبار** لهذه الأراضي كمورد جماعي للعيش الكريم، أم ستستمر في تحويلها إلى **سلعة للمضاربة والتراكم الرأسمالي**؟
---