في خضم الثورة الرقمية التي تعيشها المنظومة المالية العالمية، تجد المملكة المغربية نفسها أمام تحدٍّ مزدوج: كيف تتعامل مع ظاهرة العملات المشفرة قانونياً، وكيف تُعالجها محاسبياً؟ يرصد هذا المقال الإطار التنظيمي الحالي وما يترتب عليه من التزامات وأحكام.

السؤال الأول

كيف تُعامَل العملات الرقمية محاسبياً في المغرب؟

لا يوجد حتى الآن نص محاسبي صريح ومخصص للعملات الرقمية في القانون المحاسبي المغربي الصادر بموجب القانون رقم 9-88 المتعلق بالتزامات المحاسبة المفروضة على التجار. وبالتالي، يلجأ المحاسبون والمدققون إلى قواعد عامة للاجتهاد في التعامل مع هذه الأصول.

ⓘ المبدأ العام المعتمد

تُعامَل العملات الرقمية في الغالب باعتبارها أصلاً مالياً غير ملموس أو أداة مضاربة، ويُطبَّق عليها مبدأ الحيطة (principe de prudence) من خلال تسجيل خسائر القيمة دون الأرباح غير المحققة.

بناءً على اجتهادات المهنيين، يمكن تصنيف العملات المشفرة ضمن ثلاثة أطر محاسبية ممكنة، يُختار من بينها وفق طبيعة النشاط والهدف من الاحتفاظ بها:

التصنيف المحاسبيالحساب المستخدمالحالة المناسبة
أصل غير ملموسالحساب 2XXXاحتفاظ طويل الأمد، لا بيع منتظم
مخزون / بضاعةالحساب 3XXXنشاط تجاري في العملات، تداول متكرر
سندات ماليةالحساب 4/5XXXاستثمار قصير الأمد، سيولة مرتفعة

فيما يخص الجانب الجبائي، فإن أي مكسب ناتج عن بيع العملات الرقمية أو تحويلها إلى درهم مغربي أو أي عملة أخرى يُعدّ مكسباً خاضعاً للضريبة، إذ يدخل ضمن الإيرادات الخاضعة لضريبة الدخل (IS) بالنسبة للشركات أو ضريبة الدخل العام (IR) بالنسبة للأشخاص الطبيعيين.

⚠ تحذير مهني

نظراً لغياب نص صريح، يُنصح بالتشاور مع خبير محاسبي معتمد قبل اتخاذ أي قرار محاسبي، خاصةً فيما يتعلق بالتسجيل في الحسابات الختامية أو الإقرار الضريبي.

تجدر الإشارة إلى أن المديرية العامة للضرائب (DGI) في المغرب لم تُصدر حتى الآن دورية خاصة تضبط المعاملة الضريبية للعملات المشفرة، مما يُبقي الأمر في منطقة رمادية تستوجب الحذر.


السؤال الثاني

ما هو الحكم القانوني للبيتكوين في المغرب؟

يُشكّل الموقف القانوني من البيتكوين في المغرب محوراً بالغ الأهمية لكل من يرغب في التعامل مع هذه الأصول الرقمية. وبشكل مجمل، يمكن القول إن المغرب يتبنى موقفاً محافظاً ومتحفظاً إزاء العملات المشفرة.

🚫 التحذير الرسمي لعام 2017

في نوفمبر 2017، أصدر كلٌّ من بنك المغرب (Bank Al-Maghrib) ومكتب الصرف (Office des Changes) بياناً مشتركاً يُحذّر من استخدام العملات الافتراضية، معتبراً إياه مخالفاً للتشريعات المتعلقة بالصرف، وأن كل معاملة بالعملات الرقمية تعرّض أصحابها للعقوبات المنصوص عليها في النصوص التشريعية الجاري بها العمل.

غير أن هذا البيان لم يكن قانوناً صريحاً يُجرّم امتلاك البيتكوين أو التعامل به، بل جاء في صورة تنبيه وتحذير يُلفت الانتباه إلى المخاطر القانونية والمالية. وقد خلق هذا الموقف حالةً من الغموض القانوني التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

الجانبالوضع الحالي
امتلاك البيتكوين شخصياًغير محظور صراحةً، لكن غير معترف به قانونياً
التداول أو البيع والشراءمحفوف بمخاطر قانونية، لا سيما مخالفة قواعد الصرف
استخدامه وسيلةً للدفعغير مقبول، الدرهم المغربي هو العملة القانونية الوحيدة
المنصات المرخصةلا توجد منصة تداول مرخصة رسمياً في المغرب
التحويل من/إلى الخارجيُعدّ مخالفة صريحة لتشريعات الصرف

من المهم التمييز هنا بين وضعين مختلفين: القانون الصارم الذي يُجرّم فعلاً بعينه، والفراغ التشريعي الذي يجعل التعامل محفوفاً بالمخاطر دون أن يكون جريمةً موصوفة. المغرب يقع في الفئة الثانية حالياً، مع ميل واضح نحو التشديد لا التحرير.

📈 مستجدات ومؤشرات 2024–2026

أشارت تصريحات بعض المسؤولين في بنك المغرب إلى أن الجهات التنظيمية تدرس وضع إطار قانوني لتنظيم العملات الرقمية بدلاً من حظرها الكلي، وذلك في سياق التوجه العالمي نحو تنظيم هذا القطاع. كما أن المغرب بات يُولي اهتماماً متزايداً للتحول الرقمي المالي، مما قد يُنتج قريباً تشريعات أكثر وضوحاً.

للمقارنة، يُعدّ المغرب من أكثر دول المنطقة تحفظاً تجاه العملات المشفرة مقارنةً بدول كتونس التي أصدرت عملتها الرقمية، أو الإمارات التي طورت إطاراً تنظيمياً متكاملاً.


خلاصة القول: يعيش المغرب مرحلة انتقالية في مواجهة العملات الرقمية؛ فلا هو حظرها حظراً صريحاً، ولا هو شرّعها أو نظّمها. ويبقى التعامل بها رمادياً قانونياً ومحاسبياً، مما يُوجب على الأفراد والشركات التريّث وطلب الاستشارة القانونية والمحاسبية قبل الانخراط في أي نشاط مرتبط بالأصول الرقمية على الأراضي المغربية.
البيتكوينالعملات الرقميةالمغرببنك المغربالمحاسبةالقانون الماليمكتب الصرفالضرائب